خط تماس

ما معنى أنّ يُغرّد الوزير السعودي "ثامر السبهان" يوميّاً مستهدفاً حزب الله؟ هل هي مسألةٌ "سرياليّة" يُريدُ ممارستها الوزير المطرود من العراق فوجد منفعةً في لبنان؟ أم أنّه اكتشف مُتأخّراً أنّ "التغريدات" تراكم تأثيرات فوجد ضالّته في بيروت وحاجةً لسدِّ الفراغ الذي لم يملأه في بلاده، ثمّ بات لا يستطيع التخلّي عن هذه العادة؟.. قطعاً لا، فالسبهان قالها بالفم الملآن، إنّه لا يعبّر عن رأيٍّ شخصيٍّ أبداً. إذاً فالمسألة سياسيّة بحتة، وما "يُغرّد" به، هو موجبات سعوديّة سياسيّة ضروريّة في هذه الفترة.

الموجبات ذاتها قادت لأن يطير الرئيس سعد الحريري على عَجلٍ إلى المملكة العربيّة السعوديّة تاركاً كلّ شيءٍ خلفه، من مواعيدٍ ألغاها ومشاريع أجّلها، مُستقلّاً الطائرة نحو "القِبلة" على عجل!. أسلوب مُغادرة الحريري يشبه من حيث الشكل الاستدعاءات القضائيّة التي لا طائِل من تأجيلها! إذاً هناك "أمرٌ خطيرٌ" قد حصل وأوجب ما أوجب له.. فما هو؟!

قبل الغوص في التفاصيل، إنَّ أجدر ما يمكن لفت النظر إليه لشرح مقام الحالة الراهنة، هي وقائعُ عدّة متسلسلة سبقت حصول "الاستدعاء" ثمّ تنفيذه ألا وهي:

"أ"

- اتّهامات "الانبطاح" أمام السياسات المُتّبعة من قِبَلِ العهد وعدم القدرة على التأثير فيها.

- توقيع الرئيس الحريري على تعيين سفيرٍ لبنانيٍّ جديدٍ في دمشق

- إزالة الحريري للعوائق التي كانت تحول دون العبور السليم للاستحقاق الانتخابيّ (تنازله عن دعم التسجيل المُسبق + دعوته لمناقصةٍ بيومتريّة خارج إطار الاتفاق بالتراضي)

- تغريدةُ "السبهان" التي لم تستثنِ الحكومة والشعب اللبنانيّ من "طراطيش" النيران السعوديّة

- مواقف مدير مكتبه، السيّد نادر الحريري

في الفقرة الرابعة من التسلسل، اتّضح أنّ "نادر" الغارق في التفاهمات مع رئيس التيّار الوطنيّ الحرّ وزير الخارجيّة جبران باسيل، رفع السقوف في تشديده من على "الشاشة الزرقاء" أنّهم (أي المستقبل) ماضون في التسوية الرئاسيّة ومتمسّكين بها، وهي إشارةٌ بالغةٌ الدلالات وتدلّ على عدم قبول لغة الدعاية في جدوى التفريط بالتسوية التي بنى عليها الحريري عودته الميمونة.

ثانياً.. لا يمكن فصل "استدعاء" الحريري عن مدى الغضب الذي ينتاب السعوديّة وعبّر عنه الوزير "السبهان" خلال تغريداته التي يُواظب عليها بدقّة، ما يمكن فَهمه أنَّ المملكة "لم تَعُد تحتمل" هذا التدحرج في الحكم وانزلاق الحريري المستمرّ نحو العهد - الخصم، وتأسيساً على فكرة "كبح جموح" الحريري صوب دمشق، وجب "سعوديّاً" إجراء هندسةٍ عاجلةٍ تنفع في إعادة توجيه دفّة الحريري، تقوم على الركائز الجديدة لسياسية السعودية تجاه لبنان.

"ب"

- تطويق حزب الله داخليّاً

- سحب الشرعيّة عنه/ منه حكوميّاً

وهاتان النقطتان، من الواضح أنّ السعوديّة تسيّر دعواتها السياسيّة اللبنانيّة عليهما، وهما مرتبطتان بدقّةٍ بالعوامل الإقليميّة المُستجدّة ثمّ العقوبات الأميركيّة الطارئة، إذاً على الحريري "مواكبة" التطوّر الحاصل على صعيد السياسة السعوديّة والتأقلم مع الأفكار الجديدة.

"د"

- الحدّ من سلطة حزب الله داخل العائلة السياسيّة

- عدم تمثيله في المقاعد الوزاريّة

- السعي إلى تطويقه انتخابيّاً

ولا ريب إذا قُلنا أنّ السعودية تستندُ في هذه الأفكار على قواعد النسخة الجديدة من العقوبات الأميركيّة على حزب الله، إذ يتّضح أنّها تجاوزت البعد المالي، وأصبح جرّارها "يفلح" في الحقل السياسيّ على قاعدة "لا اختلاف بين الشقّين العسكريّ والسياسيّ" ما يدلّ على أنّ الشقّ السياسيّ هو "إرهابيٌّ" أيضاً ويجب ممارسة "تطبيق الأحكام الشرعيّة" عليه، ما يُسفر عن الطلب من الجهاتِ المُمثّلة في "كعكعة الحكم" سحب الأدوار الرسميّة من حزب الله درءاً للضغوطات، ثمّ على الحريري وأعوانه اجتراح الخطوات الآيلة صوب تحقيق ذلك.

وفي البند الثالث من الفقرة "د" (عدم تمثيله في المقاعد الوزاريّة)، تقود ترجمتها إلى إمكانية ضغط السعوديّة صوب استقالة الحريري، ما يُفهَم من أنّ كلام "نادر الحريري" وإعلانه الثبات على التسوية، صبَّ في اتّجاه "السبهان" وفيه الردّ الصريح والواضح على التغريدات، سيّما وأنّه "الندّ له" لبنانيّاً، وتالياً يفهم منه تجاوزاً للخطوط السعوديّة. وفي قراءةِ هذا الهامش، يعني أنّ هذا البند لا تُراعي ترجمته الموازين اللبنانيّة الموجودة، ثمّ أنّه لا يتحمّل أحد في لبنان، أي يخرج أيّ مكونٍ أساسيّ آخر، لما يترتّب عن ذلك من خللٍ وعجزٍ وسوء فعلٍ في الدولة.

وحيث إنّ هناك نيّةً لتطويق حزب الله داخليّاً ثمّ إخراجه من اللّعبة السياسيّة المُتمثّلة بالحكومة والحدّ من سلطته بين أفراد العائلة، قد لا يتحقّق هذا الأمر الآن إلّا بتطيير الانتخابات النيابيّة أشهراً إلى الأمام، ربّما إفساحاً في المجال أمام تبلور عاملٍ ما في المنطقة، قد يُوفّر مِظلّةً تصلح لأن تُستخدم عسكريّاً ضد الحزب في محاولةٍ لفرضِ شروطٍ عليه بقوّة النار أو أقلّها التأثير عليه.

وترى مصادر سياسيّة مُتابعة، أنّ الدفع صوب تطيير الانتخابات قد يوفّر مصلحةً لتحقيق الشرط أعلاه، ثمّ الانتقال إلى انتخاباتٍ بعد فترةٍ زمنيّةٍ محدودة، ستتحكّم بموعدِها النتائج التي طرأت عن "الخضّة" التي ستحصل، أي من الطبيعيّ أن تتجاوز فترة العام، ما قد يوفّر درجاتٍ تعتقدُ السعوديّة أنّها تستطيع تحقيق غاياتٍ مرجوّةٍ منها، تصلُ إلى مستوى عدم حصول حزب الله على الأقصى الذي يمكن أنّ يُحقّقه الآن في الانتخابات.

ويقود كلّ ذلك إلى قراءةٍ ربّما حصلت عليها السعودية نتيجة الدراسات التي يجري تناقلها بدقّة في الفضاءِ اللّبنانيّ، فحواها إمكانيّة حصول حزب الله وحلفائه من مختلف الطوائف على الغالبيّة في مجلس النوّاب، وهو أمرٌ تعتبره السعودية مرفوضاً ويترجم "انتصار محور حزب الله" في المنطقة، وتالياً وجب إسقاط إمكانيّة حصول ذلك بشتّى الطرق.

المصدر: ليبانون ديبايت